ابن الجوزي
270
صفة الصفوة
من أهل أصبهان ، من أهل قرية منها يقال لها جيّ ، وكان أبي دهقان « 1 » قريته . وكنت أحبّ خلق اللّه إليه . فلم يزل به حبّه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية . واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن « 2 » النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة . قال : وكانت لأبي ضيعة عظيمة . قال : فشغل في بنيان له يوما . قال لي : يا بني إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي فاذهب فاطّلعها ، وأمرني فيها ببعض ما يريد : فخرجت أريد ضيعته فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلّون ، وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته . فلما مررت بهم وسمعت أصواتهم دخلت عليه انظر ما يصنعون . قال : فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم وقلت هذا واللّه خير من الذي نحن عليه . فو اللّه ما تركتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعة أبي ولم آتها فقلت لهم : أين أصل هذا الدين ؟ قالوا : بالشام ؟ . قال : ثم رجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله . فلما جئته قال : أي بني أين كنت ألم أكن عهدت إليك ما عهدت ؟ قال قلت : يا أبة ، مررت بناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت دينهم ، فو اللّه ما زلت عندهم حتى غربت الشمس . قال : أي بني ليس في ذلك الدين خير ، دينك ودين آبائك خير منه . قلت : كلا واللّه إنه لخير من ديننا . قال : فخافني فجعل في رجلي قيدا ثم حبسني في بيته . قال : وبعثت إلى النصارى فقلت لهم : إذا قدم عليكم ركب من الشام تجارا من النصارى فأخبروني بهم . قال : فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى . قال : فأخبروني بقدوم تجار فقلت لهم : إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنوني بهم . قال : فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم ألقيت الحديد من رجلي ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام فلما قدمتها قلت : من أفضل أهل هذا الدين ؟ قالوا : الأسقف في الكنيسة . قال : فجئته فقلت : إني قد رغبت في هذا
--> ( 1 ) الدهقان : هو زعيم الفلاحين عند العجم . ( 2 ) أي القيم عليها .